ابن يعقوب المغربي

503

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

منه ، ثم إن شرط في المنذر أن يكون مرسلا ، فالفرق بينه وبين التهديد واضح ، وهو ظاهر قولهم الإنذار تخويف مع إبلاغ ، وإن لم يشترط ، وهو المتبادر ؛ لأنه يقال لمن أعلم قوما بأن جيشا يصحبهم أنه أنذرهم ، ولو لم يرسل بذلك ، فالظاهر أن يقال في الفرق تخويف المتكلم بما يكون من قبله تهديد وبما يكون مطلقا إنذار ، ولكن على هذا يكون الإنذار أعم - تأمل - في هذا المقام ، والعلاقة بين الطلب والتهديد ما بينهما من نسبة التضاد ، ولهذا يقال التهديد لا يصدق إلا مع المحرم والمكروه . استعمال الأمر للتعجيز ( و ) ك ( التعجيز ) أي : إظهار العجز نحو قولك لمن يتوهم أن في وسعه أن يفعل فعلا ما : افعله أي : فإنك لا تستطيع ( نحو ) قوله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ " 1 " إذ ليس المراد به أمرهم حقيقة على وجه التكليف بالإتيان بسورة من مثله ، وإنما المراد إظهار عجزهم عن الإتيان ؛ لأنهم إذا حاولوا بعد سماع الصيغة ذلك الإتيان ، ولم يمكنهم ، ظهر عجزهم ، ولا يقال لم لا يكون من التكليف ، وغايته أن يكون من التكليف بالمحال ؛ لاستحالة وجود الإتيان من المثل ، والتكليف بالمحال جائز أو واقع ؛ لأنا نقول القرائن هنا تعين إرادة التعجيز لإقامة الحجة عليهم في ترك الإيمان ، والعلاقة بين الطلب والتعجيز ما بينهما من شبه التضاد في متعلقهما ، فإن التعجيز في المستحيلات ، والطلب في الممكنات ثم المجرور أعنى من مثله يحتمل أن يتعلق بالفعل الذي هو فأتوا ، ويتعين حينئذ أن يعود الضمير فيه لعبدنا ، فيكون المعنى فأتوا ممن هو مثل عبدنا في كونه أميا لا يكتب بسورة مما يأتي به عبدنا ، وهذا يقتضى وجود مثل عبدنا في كونه أميا لا يكتب ، وهو صحيح ، ولا يصح أن يعود الضمير على هذا لما نزلنا ؛ لأنه يلزم أن يكون المعنى فأتوا مما هو مثل ما نزلنا من الكلام البليغ بسورة ، وهذا يقتضى أن يوجد مثل المنزل في البلاغة ، وهو غير صحيح ؛ لأنه ليس في طوق البشر ، وإنما قلنا يقتضى وجود مثل المنزل ؛ لأن هذا هو المفهوم من مثل هذا الكلام عرفا فإنك إذا قلت : ائتني من الحماسة - وهي شعر الشجاعة - ببيت ، أفاد وجود الحماسة ، وحمله على

--> ( 1 ) البقرة : 23 .